سيد محمد طنطاوي

35

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مجاهد : لكل منهما حد لا يعدوه ، ولا يقصر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا ، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا . . وقال عكرمة : يعنى أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل . وقوله : * ( ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ) * يقول : لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر ، حتى يكون النهار . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) * التنوين في « كل » عوض عن المضاف إليه . . قال الآلوسي : والفلك : مجرى الكواكب ، سمى بذلك لاستدارته ، كفلكة المغزل ، وهي الخشبة المستديرة في وسطه ، وفلكة الخيمة ، وهي الخشبة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة « 2 » . أي : وكل من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، في أجزاء هذا الكون يسيرون بانبساط وسهولة ، لأن قدرة اللَّه - تعالى - تمنعهم من التصادم أو التزاحم أو الاضطراب . ثم ذكر - سبحانه - نوعا آخر من النعم التي امتن بها على عباده فقال : * ( وآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) * . وللمفسرين في تفسير هذه الآية أقوال منها : أن الضمير في « لهم » يعود إلى أهل مكة ، والمراد بذريتهم : أولادهم صغارا أو كبارا ، والمراد بالفلك المشحون : جنس السفن . فيكون المعنى : ومن العلامات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - أولادهم صغارا وكبارا في السفن المملوءة بما ينفعهم دون أن يصيبهم أذى ، وسخرنا لهم هذه السفن لينتقلوا فيها من مكان إلى آخر . ويرى بعضهم أن الضمير في « لهم » يعود إلى الناس عامة ، والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون ، والمراد بالفلك المشحون : سفينة نوح - عليه السلام - التي أنجاه اللَّه - تعالى - فيها بمن معه من المؤمنين ، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم . فيكون المعنى : وعلامة ودليل واضح للناس جميعا على قدرتنا ، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - آباءهم الأقدمين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - في السفينة التي أمرناه بصنعها ، والتي كانت مليئة ومشحونة ، بما ينتفعون به في حياتهم .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 564 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 23 .